«الزمن الباقي» لإيليا سليمان… بطل يتأمّل في الشظايا

قدّم إيليا سليمان أفلامًا فلسطينيّة ذات أسلوب خاصّ، امتزجت فيها السيرة الذاتيّة بالقضيّة العامّة، والتسجيليّ بالروائيّ. وفي فيلمه «الزمن الباقي» (2009)، رسم صورة مركّبة للواقع الفلسطينيّ، وخاصّة في الأراضي المحتلّة عام 1948، حيث تقع مجريات معظم فيلمه، من خلال التقنيّتين الأساسيّتين المترابطتين اللتين ميّزتا أسلوبه: الأولى تقنيّة الربط بين تشظّي صورة العالم في الوعي الفرديّ، وبين سرد السيرة الفلسطينيّة وإكسابها معنًى؛ والثانية لعبة التسطيح والعمق (والترسيم الكاريكاتوريّ للشخوص)، من جهة، والخوض في العمق الوجدانيّ والحميميّ، وفي المقصد العميق في الإيحاءات والإيماءات، أي الغوص في الوعي الوجوديّ للشخص، ونقلها رسالة واضحة إلى المشاهد؛ وهو الأمر الأصعب على أيّ مخرج أن يفعله في المسرح والفيلم.

 

الواقعيّة المفرطة

يحاول سليمان في «الزمن الباقي» أن يعود بالذاكرة إلى حيث بدأت الحكاية، في مسقط رأسه الناصرة، عام النكبة 1948، محاولًا الارتكاز إلى الذاكرة الفرديّة والخروج منها إلى الذاكرة الجمعيّة، في تجربة متداخلة بين الفرديّ والجمعيّ، لتركيب القطع المتشظّية للأحداث والزمن، واستيضاح الصورة لفهم الحالة الفلسطينيّة، وما آلت إليه عبر كلّ تلك السنين.

 يجترح سليمان أسلوب الواقعيّة المفرطة، الّتي تأخذ بعدًا كاريكاتوريًّا في معظم الأحيان؛ لإيصال نقده لواقع تلك الحياة الّتي يعيشها الفلسطينيّ بمزيج من المقاومة المتعلّقة بالحنين إلى ماضٍ مدمّر، والتأقلم مع الحاضر المشوب بالاغتراب والوعي المزدوج…

 

يعود الفيلم إلى الوراء ليرصد تفاصيل حياة مَنْ تحوّلوا إلى أقلّيّة، وبَقَوْا على الأرض الّتي أُقيمَتْ عليها دولة المشروع الصهيونيّ – إسرائيل، ويتواصل شريط الذكريات الفلسطينيّ بمحطّاته المأساويّة، منذ الحرب عام 1948 حتّى رحيل الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر 1970، لكنّه يقفز إلى سلسلة من أهمّ المحطّات الفلسطينيّة؛ فيتطرّق إلى «انتفاضة القدس والأقصى» (المعروفة بالثانية)، ليصل إلى جدار الفصل العنصريّ.

يرتكز سليمان في فيلمه على مجموعة من الشخصيّات، وإن كانت ذات نصّ مختزل، إلّا أنّه يتيح للمشاهد تعرّف المحيط، الّذي عاش فيه المخرج وأهله وجيرانهم، وحياتهم اليوميّة بتفاصيلها المتشابكة والساخرة. وهنا يجترح سليمان أسلوب الواقعيّة المفرطة، الّتي تأخذ بعدًا كاريكاتوريًّا في معظم الأحيان؛ لإيصال نقده لواقع تلك الحياة الّتي يعيشها الفلسطينيّ بمزيج من المقاومة المتعلّقة بالحنين إلى ماضٍ مدمّر، والتأقلم مع الحاضر المشوب بالاغتراب والوعي المزدوج، تحت نظام الاستعمار الإسرائيليّ. ومن هذا المنظور غير المألوف تمامًا في السينما الفلسطينيّة؛ منظور ينبذ مقولات البطولة المثاليّة المعهودة وطقوسها، تناول سليمان الانكسارات السياسيّة والعسكريّة الكبرى الّتي عاشها الفلسطينيّون، كما عاشتها الشعوب والأنظمة العربيّة في تلك الفترة.

أحد المشاهد في الجزء الأوّل يلخّص أسلوب إيليا سليمان الكوميديّ، الّذي يوظّفه لمحاسبة الرواية العربيّة المكتوبة بالسخرية العميقة؛ ففيه يظهر جنديّ عراقيّ من المشاركين في الحرب يمشي في الناصرة، بعد أن ضلّ طريقه، يمرّ عن ثلاثة شبّان فلسطينيّين من بينهم فؤاد الّذي يمثّل البطل، جالسين باسترخاء وهدوء في مقهى، الجنديّ لا يعرف إلى أين يتّجه، وكلّما ذكر اسم مدينة أو بلدة ما، قال له الجالسون في المقهى بنبرة جدّيّة، قاصدين منها المفارقة الساخرة: “تْغَلِّبِشْ حالَكْ، تْحَرَّرَتْ”.

وفي مشهد في ذات المكان، وأمام المقهى الّذي يجلس فيه الشبّان الثلاثة الّذين يتكرّر ظهورهم في الفيلم، نشاهد بائع الصحف يردّد “[جريدة] الوْطَنْ بْشيكِلْ و[جريدة] كُلِّ الْعَرَبْ بِبْلاشْ”. أحدهم يطلب شراء «الوطن». البائع يقول له: “ما بقى فيه وطن… لكن كُلِّ الْعَرَبْ بْبَلاشْ!”، في تعبير تهكّمي عن حالة العرب، في إبداع للنصّ ودلالته وزخمه رغم قلّته، يعكس مشاعر الناس الأليمة حول حالة الوهن الّتي تركتهم فيها القيادات والزعامات العربيّة، وما زالت.

يكرّر سليمان المشهد، ويعود إلى المقهى مرارًا؛ إذ نرى فؤادًا وأصدقاءه في سنّ متقدّمة جالسين في المقهى، لا يفعلون شيئًا سوى الصمت ومتابعة ما يجري في الشارع بهدوء، وفي ذات الجلسة والهيئة، وكأنّهم هناك منذ 73 عامًا. شابّ فلسطينيّ يسير أمامهم يرفع يده بعلامة النصر، في سخرية جليّة – واضح أنّه مجنون؛ إذ يستمرّ في إلقاء التحيّة وهو ماشٍ – وآخر يصفّر؛ كناية عمّا آلت إليه أحوال الناس بعد الهزيمة والنكبات المتتالية.

يقول الكاتب والأكاديميّ حميد دباشي عن سينما إيليا سليمان، الّتي تكمن الكوميديا السوداء في قلبها، إنّها تحوّل عبث الغضب المدهش إلى الضحك الخالص؛ لتصل إلى الجوهر الإبداعيّ للحرفة البصريّة، إنّ ما نشاهده في سينما إيليا سليمان يمثّل اللحظة الحرجة الدقيقة، عندما يتحوّل عمق المأساة إلى ذروة الكوميديا، والكوميديا تجتمع مع العبث[1].

 

 

تشظّي البطل

يتجنّب سليمان اختزال الشخصيّة الفلسطينيّة في صورة البطل، إنّما يسعى إلى دراسة شخصيّات فلسطينيّة متنوّعة أو رسمها في صمودها وانكسارها، ويستخدم الشكل الكاريكاتوريّ ليوصل هذا التنوّع، وأحيانًا التضارب، في التعامل والتأقلم مع الواقع الأليم.

بعد توقيع «اتّفاقيّة أوسلو» عام 1993، أُعيدَ تفتيت الهويّة الفلسطينيّة الّتي تشكّلت بعد عام 1948، وبالتالي شهدنا هزيمة وتراجعًا لمشروع المقاومة، وانعكس ذلك على الحقل الثقافيّ، ومدى الإنجاز السياسيّ المقاوم على الأرض ينعكس سلبًا أو إيجابًا على رؤية الفلسطينيّ لنفسه، فبعد أن كان يرى نفسه بطلًا خارقًا بسبب الفدائيّ وبطولاته الّتي عكسها الأدب والفنون البصريّة والسينمائيّة، صارت نظرته إلى ذاته سلبيّة، فيها الكثير من الضعف والتشتّت والتخوين. وينطبق ذلك على إيليا في بعض مراحله في لحظاته الأخيرة، وفي صمته، وهو غير قادر على تغيير الواقع وإن لم يتقبّله يومًا. لقد اختلف دور البطل، من ثائر محرّك وفاعل على الأرض، بطلًا شعبيًّا وقائدًا سياسيًّا، إلى الإنسان الفلسطينيّ الّذي ارتسمت معاناته جرّاء التهجير والقهر اليوميّ، في تفاصيل حياته المشبعة بالذلّ من قِبَل الاحتلال. ورغم ما تُبْديه صورة البطل هذه من سلبيّة؛ إذ تحوّلت من صورة البطل الّذي نريده لكن لا نستطيع أن نكونه، إلى البطل الّذي لا نريده ويشبهنا. إلّا أنّ هذه الصورة الجديدة للبطل تبقى قلقة، وما يبرح البطل أن يعدّل مساره في كلّ نهاية، في محاولة لاستعادة بوصلة النضال والمواجهة.

ففي المحور الزمنيّ للفيلم، يطرح سليمان بتوليفة متوازنة، ما حصل للذات الفلسطينيّة الفرديّة – الجمعيّة، من الهزيمة إلى التحدّي، لكنّ حالة الهزيمة والتحدّي الّتي عاشها الفلسطينيّ في المراحل الزمنيّة الّتي استعرضها سليمان، كانت متذبذبة؛ فبعد النكبة والنكسة كانت الهزيمة، لكنّ المواجهة والتحدّي ظهرا في مراحل لاحقة، ومن ثَمّ الانكسار الّذي فرضته مرحلة ما بعد «أوسلو». وفي الجزء الثاني من الفيلم، ينتقل سليمان إلى زمن «انتفاضة القدس والأقصى»، حين نرى في أحد المشاهد عددًا من الشبّان والفتيات يرقصون على موسيقى الديسكو، في أحد بارات رام الله، بينما تتوقّف مصفّحة إسرائيليّة في الخارج، يبرز من نافذتها ضابط إسرائيليّ، ينذر الشباب عن طريق مكبّر صوت بحلول حظر التجوال، ويظلّ يكرّر مرّات عدّة فرض حظر التجوال، في ما يستمرّ الشباب في رقصهم على أنغام الموسيقى الصاخبة، دون أن يعيروا أيّ اهتمام لما يُقال لهم، بل في لحظةٍ ما، نرى الجنديّ قد نسي مهمّته، وبدأ يهزّ رأسه على إيقاعات موسيقى البار، في صورة تُظْهِر قوّة الحضور الفلسطينيّ في وطنه، والتهافت الأخلاقيّ للاحتلال.

 

أطوار الفقدان

لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال فهم ما آلت إليه الأمور في الزمن الحاضر، دون العودة إلى نقطة البداية في الماضي، الّتي كانت أساسًا لدائرة الظلم والقهر التاريخيّ، الّتي على ما يبدو في تمثيلات سليمان، يدور الفلسطينيّ في فلكها، في حالة من الصمت والانتظار، والهروب من الواقع بالخيال، كقفز إيليا من فوق جدار الفصل العنصريّ بعصا الزانة الرياضيّة، وعبور نقطة التفتيش الإسرائيليّة، بل تفجيرها تمامًا بقوّة المرآة، أو تدمير دبّابة إسرائيليّة بقذفها ببذرة المشمش، أو التصدّي للجنود المدجّجين بالسلاح، بقوّة خارقة تُنْزِل فارسة من السماء في فيلم «يد إلهيّة» (2002)؛ فالبطولة تحدث في الخيال.

 في طور الضحيّة والفقدان المتكرّر، ورغم إمكانيّة إسقاطهما على عدد من الشخصيّات، إلّا أنّهما تجلّيا في صورة الجار السكران، الّذي يظهر في الدقيقة 42، ولا ينفكّ يهدّد بحرق نفسه بين الحين والآخر، بعد عمله في محطّة بنزين

 

إنّ تركيبة الجماعة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة عام 1948 شهدت الكثير من التناقضات الجدليّة، الّتي أفضت إلى مجموعة من الشخصيّات الّتي عاشت في أطوار مختلفة؛ إمّا في طور الضحيّة، وإمّا في طور المقاومة، وإمّا في طور الفقدان المتكرّر، وهي الأطوار الثلاثة الرئيسيّة الّتي حدّدها إسماعيل ناشف، أطوارًا رئيسيّة لبنية المأساة الفلسطينيّة، ويتميّز كلٌّ منها بتحوير سرديّ خاصّ به، وفي كلّ طور نرى أنّ شكل السرديّة يتحوّل بناءً على شكل محدّد من العلاقات، بين الحقل السرديّ وتاريخه، وبين الجانب البنيويّ المحدّد الّذي يعبّر عنه، وموضعه في بنية المأساة العامّة[2].

وجسّد سليمان هذه الأطوار في فيلمه عبر مجموعة من الشخصيّات، بتفاصيلها المتشابكة والساخرة، مجترحًا أسلوب الرمز والدلالة، وأيضًا السخرية الّتي تأخذ بُعْدًا كاريكاتوريًّا في معظم الأحيان؛ لإيصال نقده لواقع تلك الحياة الّتي يعيشها الفلسطينيّ، بمزيج من المقاومة المتعلّقة بالحنين إلى ماضٍ مُدَمَّر، والتأقلم في الحاضر المشوب بالاغتراب والوعي المزدوج، تحت النظام الإسرائيليّ، وفي تناوله للأحداث السياسيّة والعسكريّة الكبرى، الّتي عاشتها الأمّة العربيّة في تلك الفترة، وانعكاسها على الفلسطينيّين.

ففي طور الضحيّة والفقدان المتكرّر، ورغم إمكانيّة إسقاطهما على عدد من الشخصيّات، إلّا أنّهما تجلّيا في صورة الجار السكران، الّذي يظهر في الدقيقة 42، ولا ينفكّ يهدّد بحرق نفسه بين الحين والآخر، بعد عمله في محطّة بنزين، ويظهر غير مرّة، تارة وهو يلعن عيشته ويهدّد بحرق نفسه، وتارة أخرى وهو ممسك بكأسه ويلقي تخيّلات مستحيلة وساخرة، بأسلوب لاذع للواقع العربيّ، مثيرًا موجة من الضحك المؤلم. يقف بشعره الأبيض وملابس نومه ولسانه السليط، صابًّا البنزين على جسده، ويهدّد بأن يشعل عود الثقاب ليحرق نفسه؛ احتجاجًا على ما آلت إليه حاله وحال الأمّة، فيقول: “أنا ما ضلّلي شي، شو هَالْعيشِة اللّي عايْشينْها… عيشِة وْقِلِّتْها واحَدْ”، لكنّه يفشل في كلّ مرّة، ويستنجد الجيران بفؤاد؛ لأنّه الوحيد الّذي يستسلم له الجار عن عود الثقاب ليقوده إلى منزله، وفي مشاهد أخرى يظهر مخاطبًا فؤادًا، ممسكًا بكأسه وهو متحمّس لطرح حلّ للخلاص من «إسرائيل»، لوهلة تظنّه جادًّا وهو يقول: “جارْ، عِنْدي نَظَرِيِّة… الْقُصَّة قُصِّةْ مَنْطِقْ، بِدُّه يْكونْ الْواحَدْ راسُه صاحي”، لكن سرعان ما يتّضح أنّ طرحه هذيان من حالة السكر.

إنّ هذه الشخصيّة، تمثّل موت البطل، وتعكس حال المواطن الفلسطينيّ، أو ربّما العربيّ، في تلك الفترة، معبّرة عن قهره وضعفه عن تغيير ما آلت إليه الأمور، بل عجزه عن تحقيق الخلاص ولو بالانتحار، بل كان من بلاغة إيليا أن حرص على تقديمه بهذه الصورة «العبثيّة» – لكن المدروسة بعناية واضحة – الّتي ترتبط إلى حدّ كبير بحالة الشعب العربيّ، وتشبه إلى حدّ ما حالة السكر وضياع العقل، في تلك المرحلة، والعيش في دور الضحيّة.

 

تقنيّة التسطيح والعمق السيكولوجيّ

استطاع سليمان بناء فيلمه طوبوغرافيًّا، عبر التنوّع في تركيب عناصره البشريّة والطبيعيّة، حين رسم الشخصيّة الجمعيّة بدقّة من خلال الأفراد، مستخدمًا لعبة الانتقاء بين السطح والعمق للشخوص، والموازنة بينهما، ونقل من خلالها أسلوبَي التراجيديا والكاريكاتور، فقدّم العمق في شخصيّتَي الأب والأمّ، وسطّح أخرى كما في الجار واليهوديّ.

 ويدور سليمان بين المعالجة الحداثيّة وما بعد الحداثيّة للتاريخ والوعي والهويّة، فتظهر يقينيّة في حالة أبيه وأمّه، إلّا أنّها كانت مفكّكة في وعي الشخصيّات الثانويّة الّتي قدّمها، فكانت البطولة لديه جزئيّة ومتشظّية…

 

وأوجد إيليا موازنة ذكيّة في سيكولوجيا الشخصيّات، ما بين الضحيّة والمستسلم والمقاوم والمندمج أو المتعايش؛ فهو يوازن بشكل مبدع بين تعميق بعضها وتسطيح أخرى، بشكل أضفى على الأسلوب تخمّرًا ما؛ فشخصيّة الأمّ مثلًا تقع ضمن طور الضحيّة، لكنّها في الوقت ذاته المتعايشة مع الواقع المستسلمة له، وقد بدا ذلك واضحًا في رسائلها الّتي كانت تكتبها لأختها في عمّان، أو في تعاملها مع زوجها فؤاد الرافض للاحتلال والرافض للهزيمة، لكنّه لا يقوى على المقاومة أو على التغيير، ثمّ يرث سليمان موقف أبيه، ويجد نفسه دون كلام، مراقبًا من الخارج، يأتي زائرًا ويذهب. ويقابله شخصيّة أخرى رضيت بالتأقلم مع واقع اغترابيّ جدًّا، ونسيت ماضيها دون أن تعثر على مستقبلها، كما في حال ابن الجار الّذي اختار أن يعمل في جهاز الشرطة الإسرائيليّة، كما كان أبوه شرطيًّا فيه، وهذا الجار الّذي كان ابنه في سنّ إيليا اختار أن يندمج مع الاحتلال، وينصهر في نظامه، ورغم قربه من إيليا إلّا أنّه ظهر في أحد المشاهد يمارس قمع الاحتلال على طفل فلسطينيّ، فطرده بعد أن كان يحاول بيعه بعض الفاصولياء الخضراء، وهو يسأله: “هل لديك تصريح للدخول إلى إسرائيل؟”.

ويدور سليمان بين المعالجة الحداثيّة وما بعد الحداثيّة للتاريخ والوعي والهويّة، فتظهر يقينيّة في حالة أبيه وأمّه، إلّا أنّها كانت مفكّكة في وعي الشخصيّات الثانويّة الّتي قدّمها، فكانت البطولة لديه جزئيّة ومتشظّية؛ فلا رواية جامعة للتاريخ تبلور صورة البطل الأمثوليّ الأوحد، لا شهداء ولا فدائيّين. ولم يحاول سليمان ادّعاء سرد بطولة الفلسطينيّ الأنموذجيّ ككلّ، بل يعكس التناقض في المهارب الّتي يختارها الفلسطينيّ من واقع الاستعمار: بالصمت، بالسُّكْر، بفانتازيا النوم مع المجنّدة الّتي ترتدّ على المستعمر بفقدانه كرامته رجلًا، أو حتّى بالاندماج في إنسانيّة المستعمر وفقدان إنسانيّة الفلسطينيّ ووطنيّته، كما في حال الجار الشرطيّ (ابن جار فؤاد).

وفي الجزء الثاني من الفيلم، يركّز سليمان على فكرة الانتظار؛ فالجزء الأوّل فيه إحساس قويّ بالزمن، بالأحداث، أمّا في الجزء الثاني منه فيبرز عنصر الانتظار خلال الأزمنة المتعاقبة، فهو ينهي فيلمه وهو جالس فوق أريكة خشبيّة في الشارع، في حالة تـأمّل دون أيّ انفعال، تجاه ما يجري حوله، والانتظار هو الحالة الفلسفيّة للشعب الفلسطينيّ، الّذي يقف أمام عقود قضيّته بانتظار الحلّ. وهذا هو «الزمن الباقي» قبل الموت.

ربّما النهاية المفتوحة للفيلم، هي ما أراده المخرج؛ فهي تمثّل الرسالة والرؤية الّتي يمرّرها للمتلقّي هنا، حيث يظهر التأويل العقلانيّ أشبه بالفوضى الخلّاقة، في دعوة مفتوحة لهذا القلق والسخرية من الذات، أو من الوعي المدرك.

ونرى مثال ذلك في غير مفصل في الفيلم، وربّما الأوضح هو مشهد الشابّ الّذي يسوقه الشرطيّ، لكنّه يتمرّد عليه ولا يأبه له، في مشهد الشباب «الرابِرْز» في المستشفى، الّذين يظهرون في المشهد الأخير في الفيلم، لا يهمّهم حديد المستعمر، روحهم لا تنكسر، جالسين في أحد الممرّات، أثناء مرور صديقهم مكبّلًا بيد شرطيّ إسرائيليّ، لكنّ صديقهم هذا لا يأبه للشرطيّ، ويقف عند الشباب ليشعل سيجارته، متبادلًا علامة النصر معهم.

 

بطولة جزئيّة جدًّا

أوجد إيليا سليمان سينما مبدعة مبتكرة بموهبة عالية ومنافسة، ليس على المستوى الفنّيّ فحسب، بل على مستوى الرؤية والفكر، مضيفًا لمسته الإبداعيّة، في عالم من الخيال الفنّيّ الجميل، طارحًا الأسئلة الجدليّة والوجوديّة، ضمن رؤية نافذة للواقع، يعرّي فيه ‘الحقيقة‘ ويكشف زيفها. وقد قدّم في فيلمه «الزمن الباقي»، عرضًا للذاكرة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة عام 1948، حين روى قصص عائلته وبلدته الناصرة، خلال النكبة وبعدها، والتهجير الكبير للشعب الفلسطينيّ من أرضه؛ من خلال منظور مركّب للحياة اليوميّة، يحوي عناصر سرديّة متماسكة، وأخرى مفكّكة، حيث يكتب التاريخ من أسفل إلى أعلى.

 وبحث سليمان في البطولة الجزئيّة جدًّا للإنسان، فرسم الشخصيّة الفلسطينيّة بتنوّعها وغناها، من خلال الموادّ الثقافيّة المختلفة (كالموسيقى والمقاطع التلفزيونيّة والإذاعيّة)؛ في محاولة لربط هذا الفلسطينيّ المتشظّي بماهيّة ثقافيّة عربيّة راسخة…

 

«الزمن الباقي»، فيلم مزج بين الفرديّ والجمعيّ، بين عناصر السيرة الذاتيّة، وسيرة العائلة، من جهة، وبين حكاية الوطن الّتي تبدأ في النكبة، وتنتهي في زمن الانتفاضة الثانية. وقدّم مجموعة من الصور والمشاهد المكثّفة، الدقيقة الاختيار والمنتجة بمهنيّة عالية، لخّصت هذه السيرة المتداخلة في عدد من الحقب والأحداث المركزيّة من تاريخ فلسطين، وخاصّة الفلسطينيّين في «الداخِلَيْنْ»: الّذين يعيشون في الأراضي المحتلّة عام 1948، والّذين يقعون تحت حكم الاحتلال العسكريّ منذ عام 1967.

وبحث سليمان في البطولة الجزئيّة جدًّا للإنسان، فرسم الشخصيّة الفلسطينيّة بتنوّعها وغناها، من خلال الموادّ الثقافيّة المختلفة (كالموسيقى والمقاطع التلفزيونيّة والإذاعيّة)؛ في محاولة لربط هذا الفلسطينيّ المتشظّي بماهيّة ثقافيّة عربيّة راسخة، ومن خلال تبحّره في العمق السيكولوجيّ لشخوصه. وفي غياب البطل، ما يهمّ سليمان التسجيل والبحث في أبعاد الشخصيّة الفلسطينيّة السيكولوجيّة، مستخدمًا الأفراد لبناء الشخصيّة الجمعيّة.

لقد أنتج سليمان صورة إستطيقيّة بمنظوره الخاصّ، لكنّها تشرق بواقعيّتها وتقول لنا عن تركيبة الشخصيّة الفلسطينيّة وديناميكيّاتها، الّتي لا يمكن أن تختزلها صورة البطل، وإنّما مجموعة من الشخصيّات المركّبة والبسيطة، العميقة والسطحيّة، كأبيه وأمّه وجارهم السكران، وابن جارهم الشرطيّ، وهذه البطولة المتشابكة، تظهر كأنّها لوحة مركّبة، مقدّمة صورة بانوراميّة عن واقع الفلسطينيّ في الأراضي المحتلّة عام 1948، وتجيب عن تشكّلات الذات الفرديّة والجمعيّة وتحوّلاتها للجماعة الفلسطينيّة هناك، منذ النكبة وبعدها.

الشخصيّة المركزيّة عند سليمان، أو بطله، هو مَنْ يستعيد المعنى في واقع أشبه بالعبثيّ، هو سليمان الأب والابن؛ واحد بالصمت والآخر بالسخرية أو المفارقة، والاغتراب أو الانفصال ومراقبة المشهد. «البطل» هو مَنْ يروي سيرة شعب وإن كانت متقطّعة ومليئة بشظايا الزمان والمكان. هو مَنْ لا يخشى من توثيق الهزيمة والمفارقات الّتي تملؤها، ولحظات المقاومة الّتي لا تتحوّل إلى انتصار، لكنّها لا تتوقّف عن التدفّق والتجدّد.

*مقالة من فصل تحليليّ عن صورة البطل في “الزمن الباقي”، من كتاب “السينما الفلسطينيّة الجديدة … صورة البطل ودلالاته”، للإعلاميّة والباحثة في السينما الفلسطينيّة آلاء كراجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى